مسار أديب


بقلم الكاتب الروائي محمد مفلاح

an imageسأتطرق في هذه المداخلة إلى بعض المحطات من مساري الأدبي، وسأغامر ككل الكتّاب للحديث عن تجربتي الإبداعية. وأشير أولا إلى البداية.. إلى فترة المراهقة التي تعلقت فيها بالكتاب ثم ملتُ إلى ممارسة الكتابة. لقد بدأ اهتمامي بالحكي والقصص منذ أيام الدراسة وأنا طالب بمتوسطة محمد خمسيتي (فيكتور هيجو سابقا) بمدينة غليزان. ففي هذه المرحلة كان أستاذ اللغة الفرنسية يدرسّنا مسرحيات موليار، وراسين، وكوناي، وكانت تلك المسرحيات الفرنسية التي كنت أشتريها من المكتبة المحاذية للمتوسطة، تثير خيالي وتمنحني الطاقة التي ساعدتني على تجاوز هموم اليتم والوحدة.. فأنا فقدتُ والدي وعمري 11 سنة.. كما كان هذا الأستاذ الفرنسي الجنسية يوجهنا إلى مطالعة الروايات، غير أنني في تلك الفترة لم أكن قادرا على اختيار العمل الأدبي الجيد، إذ كنت أشتري من سوق المدينة الأسبوعي الروايات البوليسية، وكذا القصص المصورة مثل "بلاك لوروك"، و"طارتين"، و"زنبلا"، و"طرزان "..

ولكن التحول الحقيقي في مجال المطالعة كان يوم قرأتُ لأول مرة روايتين مهمتين في حياتي هما: رواية (البؤساء) لفيكتور هيجو التي استعرتها من زميل لي في القسم، ورواية (الحريق) لمحمد ديب التي عثرتُ عليها مصادفة بسوق المدينة، وقد تفاعلت كثيرا مع أحداثهما. لاريب أن الأجواء الواقعية للروايتين إلى جانب اهتمامي بقصص صفحة (دروب القصة)، أغرتني بمغامرة الكتابة فبدأت في تدوين محاولاتي القصصية الأولى وكانت كلها مستقاة من الواقع المعيش، جمعتها في كراسة وأنا في الخامسة عشرة من عمري. وهكذا أحببتُ الكتاب وأصبحت لي الكتابة حلماً جميلاً تمنيت تحقيقه. لقد ولدتُ في أسرة لا تلمك أي كتاب في بيتها المتواضع، وبالرغم من ظروفي العائلية الصعبة فقد استطعت أن أوفر بعض المال لشراء الكتاب الذي تسلحت به طوال حياتي لمواجهة هذه الحياة القاسية .
ومنذ السبعينيات من القرن الماضي، شرعتُ في إرسال تمثيلياتي إلى الإذاعة الوطنية التي أعدّت منها للمستمعين أكثر من عشرة أعمال. كما نشرتُ مقالاتي الأولى بمحلق (الشعب الثقافي) الذي كان يشرف عليه الروائي الكبير الطاهر وطار. وفي مجال القصة القصيرة، كانت مجلة (آمال) من أهم المنابر الثقافية التي احتضنت قصصي الأولى كما أصدرت روايتي (الانفجار) التي نلتُ عنها جائزة بمناسبة الذكرى العشرين للاستقلال، ثم نشرت لي فصلا واحدا من روايتي (النفس الأخير). لقد اهتمت مجلة (آمال) بإبداعات شباب السبعينيات والثمانينيات فبرزت أقلام جزائرية أصبح لها حضور قوي في الساحة الثقافية. وكانت كتاباتها تشجعني على مواصلة المغامرة الشيقة في عالم الكلمة. وهكذا شعرتُ وقتذاك بفخر الانتماء إلى عائلة الكتّاب والأدباء، ومرافقة جيل كامل من الكتّاب تعتز جزائر اليوم بنصوصهم الإبداعية. وأول القصة لفتت اهتمام النقاد والأدباء إلى اسمي، هي قصة (السائق) المنشورة في ملحق (النادي الأدبي)، وقد حملت عنوان مجموعتي القصصية الأولى
في بداية هذا المسار، مارست الكتابة دون وعي عميق بالعملية الإبداعية. كنت أكتب حباً في الكتابة فقط، ثم أدركتُ فيما بعد أنها مسؤولية كبيرة. أما فيما يخص كتاباتي الإبداعية المنشورة إلى حد الآن فهي تتميز بمرحلتين اثنتين هما :
-1
مرحلة "ما قبل أكتوبر 1988": وتشكلت فيها مرجعياتي من قراءاتي لكل الكتّاب الذين كانت مؤلفاتُهم متوفرة في المكتبة الجزائرية امثال محمد ديب، كاتب ياسين، مولود فرعون، مولود معمري، بوجدرة، بن هدوقة، وطار، جبران، نعيمة، المنفلوطي، العقاد، طه حسين، سلامة موسى، نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس، حنا مينه، سارتر، كامو، استندال، بلزاك، دستويفسكي، تولستوي، تشيخوف، استنباك، فولكنير، دوس باسوس، هيمجواي الخ.. وهكذا وجدت نفسي أطالع النص الجميل ولكنني لم أهتم أبدا بالمدرسة التي ينتمي إليها كاتب هذا النص..
 
ونشرتُ في هذه المرحلة مجموعتي القصصية (السائق) الصادرة سنة 1983، وأربع روايات جرت أحداثها في زمن الثورة التحريرية وهي: الانفجار، وهموم الزمن الفلاقي، وزمن العشق والأخطار، وخيرة والجبال، ثم روايتين اثنتين عن تحولات الثمانينيات هما: بيت الحمراء، والانهيار
-2
أما مرحلة ما بعد أحداث أكتوبر 1988: وكنتُ أتولى فيها مسؤوليات نقابية، فقد اقتصر فيها نشاطي الأدبي على كتابة المقالة والقصة القصيرة فصدرت لي سنة 1991 مجموعة (أسرار المدينة) كما نشرتُ بعض قصصي في الجرائد الوطنية وصدرت ضمن مجموعة (الكراسي الشرسة). وبعد مخاض التعددية الحزبية وما أفزرته من توترات سياسية حادة، تملكتني الحيرة الشديدة كما خشيتُ أن أتوقف عن الكتابة أمام التساؤلات الغامضة وقد شعرتُ بأنني في حاجة إلى فهم الواقع المستجد بعدما فشلت في معرفته عن طريق الملاحظة فقط.. ولمواجهة هذه المخاوف والتساؤلات المحيرة شرعتُ في دراسة الواقع مستعينا بكتب التاريخ فقرأت مؤلفات ومخطوطات أنتجها كتاّب الجزائر في عهود سابقة عن عهد الاحتلال الفرنسي أمثال أبوراس الناصري، وابن سحنون الراشدي، وعبدالقادر بن مسلم، الصباغ القلعي، أحمد بن هطال، وبن عودة المزاري، وأحمد الشقراني، والعربي المشرفي، والهامشي بن بكار. كما قرأت عدة كتب في التاريخ والأنتروبوجيا لمؤلفين فرنسيين. لقد اكتشفتُ في هذا تاريخنا الوطني أشياء مهمة جدا لفهم هذا الحاضر الشائك والمتشابك.
 
وقد عمقت هذه القراءات رؤيتي ودفعتني لمواصلة الكتابة، فصدرت لي في هذه المرحلة أربع روايات عن التحولات التي عرفتها البلاد خلال هذه المرحلة وهي: (الكافية والوشام) و(الوساوس الغريبة) و(عائلة من فخار)، و(انكسار). ثم ألتفتُ إلى التاريخ فأنجزت رواية عن تحرير وهران من الغزاة الأسبان، وضعت لها عنوان (شعلة المايدة). وهكذا خرجت من مرحلة الحيرة بفضل المطالعة المستمرة، إلى جانب دراسة الواقع المستجد والمواظبة على الكتابة..
أجل. لقد ملتُ منذ البداية إلى الكتابة الواقعية متأثرا بالروايات العربية والعالمية، ولا شك أن هذا الميل يناسب طبيعتي النفسية ويعبر عن توجهاتي الفكرية ورؤيتي الفنية، فالتزمتُ بهذا الأسلوب الذي أراه ملائما للتعبير عن عوالمي الخاصة، ومشروعي الثقافي. والواقعية في فهم كبار الأدباء هي الاتجاه الذي يعالج حقائق الحياة. وانطلاقا من هذه النظرة، أرى أن خصوصية الرواية الجزائرية منذ صدور (نجمة) وثلاثية محمد ديب، صنعها التاريخ الوطني والتراث الثقافي للجزائر. ورواياتي الأخيرة مشحونة بهذه الخصوصية المتميزة في نظري باستغلال الحدث الاجتماعي والظرف السياسي، والتراث الشعبي من غناء بدوي وشعر ملحون إلى جانب التاريخ المحلي والوطني. وتجري أحداثها في مدينة غليزان موطن الذكريات والأحلام الجميلة، ولكن بعد سفري إلى مدن أخرى ومعايشة هموم المجتمع الجزائري، لم تعد غليزان موطن الذكريات فقط، بل أصبحت نموذجا للمدينة الجزائرية التي تشهد تحولات عميقة وتطمح في التغيير.. ومازلتُ إلى حد الآن متمسكا باستقراري بمدينة غليزان لسببين اثنين مهمين للكتابة هما: الوحدة والوقت. فالكاتب الذي لا يدخر لنفسه الوقت الكافي لممارسة طقوس عزلته عن الآخرين، لن يستطيع انجاز أي عمل إبداعي
وإذا كانت الكتابة تتطلب الوحدة والوقت الكافي، فكيف وفقتُ بين الكتابة ونشاطي النقابي والسياسي؟ حقا.. إن الكتابة لا تلتقي مع حركية السياسة كما لا تلتقي مع كل المهن والوظائف التي تدفع المبدع للنشاط العام والاحتكاك بالآخرين. ومن يقرأ تراجم الأدباء يجد فيها كل النماذج البشرية التي تخطر ببال الإنسان، منها نموذج الأديب الممارس للسياسة، ويحضرني هنا مثال فيتور هيجو الأديب والنائب والسيناتور واللاجئ السياسي، وهناك كتّاب آخرون انخرطوا في العمل السياسي ومع ذلك كتبوا أعمالا أدبية خالدة.. فلست حالة شاذة في هذا المجال، وما أنجزته من أعمال يعود إلى التنظيم، فالتنظيم مهم جدا بالنسبة للكاتب إلى جانب استعداده للعمل الشاق والتضحية بأشياء كثيرة في الحياة. فعلا.. إن الممارسة النقابية والسياسية أخذت مني وقتاً مهماً ولكنها أسهمت في تعميق رؤيتي الفنية، فمن يقرأ رواياتي الأربع الأخيرة (رباعية أكتوبر)، يدرك هذه الحقيقة.. لو لم انخرط في العمل النقابي والسياسي لظلت اهتماماتي قاصرة على هواجسي الذاتية ولغرقتُ في عالمي الخاص
وبعد حوالي أربعين سنة من ممارسة الكتابة، نشرتُ أعمالا إبداعية وكتابات أخرى بلغت إلى حد الآن إحدى عشرة رواية، وثلاث مجاميع قصصية، وثلاث قصص للأطفال، وسبعة كتب في التراجم والتاريخ والتراث الثقافي، ولي أعمال أخرى تنتظر مني بعض الصبر لتنقيحها. وبالرغم من هذا الجهد يتساءل بعض المهتمين بالأدب عن السبب الذي جعل اسمي غير معروف بالقدر الكافي، وللإجابة عن هذا التساؤل أقول إن السبب الأول قد يعود إلى استقراري بمدينة غليزان البعيدة عن المركز أي الجزائر العاصمة ومنابرها الثقافية والإعلامية. وأرى أن وضعيتي هذه يعيشها كل أدباء الأطراف الذين يعانون كثيرا من أجل التعريف بأعمالهم الفكرية والإبداعية.. ولا أنكر أن مهنة التدريس التي مارستها بمحبة، ثم نضالي في النقابة والسياسة، أبعداني كثيرا عن حضور الملتقيات والندوات التي كان ينظمها اتحاد الكتاب. غير أنه في السنوات الأخيرة، بدأ الاهتمام بأعمالي الأدبية، ويرجع الفضل في هذا الحضور إلى جهود النقاد والباحثين الجامعيين الذين يدرّسون الأدب الجزائري بكل تياراته الفكرية والفنية. وقد أسعدني مؤخرا التكريم الذي حظيت به في الملتقى الدولي الثاني عشر للرواية (عبدالحميد بن هدوقة) المنعقد في ديسمبر 2009، ولكن هذا التكريم زادني شعورا بمسؤولية الكتابة
فعلا لقد قدمت جهدا خلال مساري هذا ولكنني لم أبلغ الحد الذي أحلم به

( مداخلة الروائي والباحث محمد مفلاح في ملتقى: تحولات الخطاب السردي في الجزائر – الخطاب والتلقي" ليومي 25-26 أفريل 2011، بجامعة بمستغانم)